ابن عجيبة

508

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال : وهذا مثل ، يقال : فلان لا يبدئ ولا يعيد ، إذا كان لا يلتفت إليه ولا يعتمد عليه . وقال الهروي : الباطل : إبليس ، ما يبدىء ولا يعيد : لا يخلق ولا يبعث ، واللّه تعالى هو المبدئ المعيد ، ومعناهما : الخالق الباعث . وقال في الصحاح : وفلان ما يبدئ وما يعيد ، أي : ما يتكلم ببادية ولا عائدة ، ومثله في القاموس . والحاصل : أنه عبارة عن زهوق الباطل ، حتى لا يبقى له ظهور . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه دخل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم مكة يوم الفتح ، وحول الكعبة أصنام ، فجعل يطعنها بعود ، فتقطع لقفاها ، ويقول : « جاء الحقّ وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا . قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد » « 1 » . ولما قالوا له صلى اللّه عليه وسلم : قد ضللت بترك دين آبائك قال اللّه تعالى : قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ عن الحق فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي ؛ فإن وبال ضلالى عليها ، وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي أي : فبتسديده بالوحي إلىّ . وكان قياس المقابلة أن يقال : وإن اهتديت فإنما أهتدى لها ، كقوله : فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها « 2 » ، ولكن هما متقابلان معنى ؛ لأنّ النفس كلّ ما يضرها فهو بسببها ، وما لها مما ينفعها ، فهو بهداية ربها وتوفيقه ، وهذا حكم عمل لكل مكلّف . وإنما أمر رسوله أن ينسبه إلى نفسه ؛ تشريعا لغيره ؛ لأنه إذا كان هذا له مع جلالة قدره فما باله بغيره ؟ . إِنَّهُ سَمِيعٌ لما أقوله لكم ، قَرِيبٌ منى ومنكم ، فيجازينى ويجازيكم على ما أخفيتم وما أعلنتم . الإشارة : الحق هو العلم باللّه ، والباطل الجهل باللّه ، أو : ما سوى اللّه ، فإذا حصل للعبد العلم باللّه غاب عنه كل ما سواه ، وما بقي في الوجود إلا اللّه ، وفي ذلك يقول الشاعر : فلم يبق إلا اللّه لم يبق كائن * فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان فما أرى * بعيني إلا عينه إذ أعاين وفي القوت في تفسير الآية : أي : لما جاء الحق أبطل الباطل وأعاده ، فأظهر حقيقة الأمر بدءا وعودا ، أي : كشف ما يبدىء الباطل للابتداء ، وما يعيد على العبد من الأحكام ، يعنى : أن نور الحق يكشف حقيقة الباطل وضرر عاقبته ، وقبحه في ذاته . واللّه أعلم . ه . ومن رمى بباطل أو بدعة ، وهو محقق بالحق ، متمسك بالسنة النبوية ، فليقل لمن رماه : ( إن ضللت فإنما أضل على نفسي . . ) الآية .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( المظلم ، باب : هل تكسر الدنان التي فيها خمر ، ح 2478 ) ومسلم في ( الجهاد والسير ، باب إزالة الأصنام من حول الكعبة 3 / 1408 . ح 1781 ) من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه . ( 2 ) الآية 41 من سورة الزمر .